كأس العالم 1934 في قبضة الدوتشي

 

كأس العالم 1934 في قبضة الدوتشي



محمد هلال

في صيف 1934 لم تكن ملاعب كرة القدم الإيطالية تفوح برائحة العشب المقصوص حديثاً أو عرق التنافس الرياضي الشريف، بل كانت رائحة البارود والسياسة القاتمة، ففي النسخة الثانية من عمر المونديال، لم يكن الهدف هو الظفر بالكأس الذهبية فحسب، بل كان إثبات تفوق العرق الإيطالي وتحويل كرة القدم إلى سلاح ناعم في ترسانة الفاشية حيث نظام الدوتشي بينيتو موسوليني.

ولم يكن موسوليني يوماً من عشاق الساحرة المستديرة، لكنه كان براجماتياً بامتياز، أدرك الدوتشي أن احتشاد الآلاف في المدرجات هو الفرصة المثالية لتسويق أيديولوجيته، فخصص نظامه ميزانية ضخمة بلغت 3.5 مليون ليرة إيطالية وهو رقم فلكي آنذاك، ليس من أجل تطوير الرياضة، بل من أجل بناء «مسرح فاشي» يُبهر العالم، وبالفعل حصلت إيطاليا على حق استضافة كأس العالم بعدما سحبت السويد ملفها في ظروف غامضة.



مدرب تحت المقصلة

«أنت المسئول الأول.. إن فشلت فليكن الرب في عونك»، كان هذا تهديداً مباشراً من موسوليني لمدرب منتخب إيطاليا التاريخي فيتوريو بوتزو، وتحت هذا الضغط، تحول معسكر الأتزوري إلى ثكنة عسكرية، كان اللاعبون يرتدون الزي العسكري أثناء التدريبات ويؤدون التحية الفاشية قبل انطلاق صافرة كل مباراة.

مذبحة فلورنسا

موسوليني كان حاضرا في جميع مباراة إيطاليا بمونديال 1934، وفي دور ربع النهائي واجه الأتزوري منافسه منتخب إسبانيا، الذي فاجأ الجميع بتجرئه على التقدم بهدف أول أغضب الزعيم الفاشي، وكلما نظر لاعبو إيطاليا وجهه أدركوا أنه لا سبيل إلا الفوز.

ومثلما كان موسوليني فاشيا في الحرب كان الأزوري فاشيا في الملعب فأطلق اللكمات الخفية واستخدم العنف، لم يكن وقتها الحكم السويسري ريني ميرسيت قاضياً للملعب، بل كان شاهداً صامتاً على مذبحة كروية، تعرض خلالها الحارس الأسطوري الإسباني ريكاردو زامورا لضرب مبرح أخرجه من المباراة بكسر في الضلوع، بجانب 6 لاعبين آخرين اضطروا لاستكمال اللعب وهم مصابون لأن نظام البطولة لا يسمح بالتبديل أثناء اللقاء.



كما ألغيت أهداف إسبانية صحيحة بداعي التسلل، والنتيجة؟ إيقاف الحكم ميرسيت مدى الحياة بعد المباراة، وتأهل إيطاليا بـ«قوة السلاح» إلى المربع الذهبي.

وفي دور نصف النهائي، كان المخطط أن تتأهل إيطاليا برفقة حليفاتها «ألمانيا هتلر» إلى المشهد الأخير، لكن تشيكوسلوفاكيا أطاحت بالمانشافت، وتأهلت لمواجهة الأتزوري الذي فاز بهدف غير شرعي على النمسا.

الفوز أو الموت

وفي النهائي ضد تشيكوسلوفاكيا، كان موسوليني حاضراً بابتسامته المتغطرسة في المنصة الشرفية، وتروي التقارير التاريخية أن الدوتشي نزل إلى غرف الملابس بين الشوطين ليعنف لاعبي إيطاليا وهددهم إما «الفوز أو الموت»، كما تغاضى الحكم عن ركلة جزاء واضحة صالح تشيكوسلوفاكيا.



وفي النهاية، فازت إيطاليا على تشيكوسلوفاكيا بنتيجة 2-1، وحصدت أول لقب كأس عالم في تاريخها، وحقق موسوليني مراده بتلميع صورة نظامه.

وفي النسخة الثالثة من كأس العالم 1938، فاز منتخب إيطاليا باللقب للمرة الثانية توالياً، رغم أن البطولة لم تكن تحت الإشراف المباشرة لموسوليني، إلا أنه جند كافة إمكانيات بلاده لتجهيز الأتزوري، كما كرر رسالته إلى اللاعبين: «إما العودة حاملين الكأس.. أو العودة محمولين في نعوش».

وعن نهائي كأس العالم 1938 الذي انتهى بفوز إيطاليا على المجر بنتيجة 4-2، يقول حارس المرمى المجري، أنتال زابو: «لقد استقبلت شباكي أربعة أهداف، لكنني على الأقل أنقذت حياة 11 إنساناً»، المفاجأة أن اللاعبون الطليان كانوا يتوسلون إلى منافسيهم لتركهم يفوزون خوفاً على حياتهم.

مجلة أكتوبر - دار المعارف

12 أبريل 2026 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لحظات صنعت الدهشة.. أبرز محطات قرعة كأس العالم من الماضي إلى الحاضر

لويس مونتي.. اللاعب الذي هدده موسوليني بالقتل

كيف أنقذ العالمي مسيرة موهبة البرتغال المهدرة؟